29 مارس 2025
إنتهى مسلسل معاوية بشكل مفاجىء مخيب للآمال بعد ٢١ حلقة فقط! وليس ١٥ حلقة أو ٣٠ مثلا،
ذلك المسلسل الذي أثار الجدل بشكل كبير قبل وبعد عرضه.
أنا على المستوى الشخصي كنت أنتظر هذا العمل بشغف شديد وكمشاهد مفند للعمل لم يعجبنى ولم يجذبني المسلسل،
وهذا بالرغم من فداحة إنتاجه الذي وصل إلى مائة مليون دولار، فبالرغم من هذه التكلفة الباهظة لم أجد عناصر جذب في هذا العمل الفني،
ولم أفهم مثلا لماذا كُثفت الأحداث وتسارعت على هذا النحو المخل بالطرح التاريخى،
مع أنها كانت في حاجة ماسة للعرض المتأني حتى يفهم المشاهد غير المتخصص الأحداث فهما صحيحا ويستوعبها فى تلك الحقبة المحورية والملغمة بالفتن الخطيرة فى التاريخ الإسلامي.
أما بخصوص الديكور والراكور والملابس، فهذا هو عجب العجاب لأولي الألباب،
فمشاهد بيوت الشام تصور في كومبوندات تشبه مشاريع طلعت مصطفى الهندسية حديثة التصميم،
وكأنه "كوميونتي بنو أمية" والأثاث بالكامل موديل سنة ٢٠٢٥م،
وتصميمات الملابس في منتهى الحداثة بشكل مبالغ فيه يتنافى مع شكل تلك الحقبة التاريخية المبكرة،
فأين المصداقية! وأين احترام عقل المشاهد! ومن هو المصمم الذى صمم هذا الخرف التاريخي؟.
حتى تتر المسلسل وجدته عقيما نمطيا لم يترك بصمة فى أسماعنا مع أن موسيقى التتر لابد أن تكون ترجمة صوتية لهذا المشهد المرئي والمهم ويعبر عما به من صعود وهبوط وصراعات وصخب،
ناهيك عن الأخطاء التاريخية فى المسلسل وهذا ليس مقامها الآن.
أما الفنان السورى لجين إسماعيل الذي قام بدور معاوية فلم أحبه في هذا الدور ولم أجده متناسقا مع الشخصية الحقيقية،
فهو على المستوى الشكلي لم يحمل تكوينه الجسدي والشكلي نفس صفات معاوية الجسدية،
والذي عرف بالبدانة المفرطة، ولم تحمل ملامحه الهادئة، وصوته الوديع وتقاسيم وجهه الرومانسية،
ذلك التكوين النفسي الجبار لشخصية معاوية الذي من فرط دهائه وذكائه وقوته ودبلوماسيته وحكمته استحق لقب "داهية العرب" وصاحب أول مُلك عضود في الإسلام،
ولكن للإنصاف أعجبنى جدا نطق الممثلين الصحيح للفصحى بشكل محترم يليق بقدسية هذه اللغة العظيمة.
ولو عرجنا على شخصية معاوية الحقيقية فهي شخصية جدلية في التاريخ الإسلامي،
ونستطيع القول بأن له ما له وعليه ما عليه كما يقال عند الخلاف الجدلي في الحكم على الناس، فلمعاوية أخطاء تاريخية وله مناقب ومحامد أيضا،
ولو ذكرنا المناقب فلن يستطيع أحد أن ينكر أنه كان صحابيا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وكان من كتاب رسول الله، وسواء كان من كتبة الوحى أو من كتبة الرسائل ،
فهذا دليل على أنه محل ثقة من رسول الله صل الله عليه وسلم، وروى عن الرسول ١٦٣ حديثا ،
وشهد معركة اليرموك وفتح دمشق في ولاية أخيه يزيد بن أبي سفيان،
وتولى ولاية الشام بعد أخيه في عهد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان من بعده، لمدة عشرين عاما واتسمت ولايته بالحكمة والاتزان والاستقرار وكان أهل الشام يحبونه كثيرا،
أما في خلافته التي استمرت تسعة عشر عاما قامت أول معركة بحرية في الإسلام وهي معركة ذات الصوارى ضد البيزنطيين،
وبالتالي هو أول من علم العرب صناعة الأسطول الحربى، كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم صلة قرابة من الجد الرابع عبد مناف،
وأخته هى السيدة رملة بنت أبي سفيان أو أم حبيبة) رضي الله عنها زوج النبى صلى الله عليه وسلم،
لذلك لقب بخال المؤمنين، فهو لا يقارن تاريخيا بأي حال من الأحوال بابنه يزيد بن معاوية لأن يزيد له أخطاء فادحة ومشهورة.
أما أخطاء معاوية، فهى عدم مبايعة علي ابن أبى طالب على الخلافة واشتراكه في موقعة صفين ضده مما تسبب في موت عدد كبير من الصحابة وشق الصف بين المسلمين وإحداث الفتنة بينهم،
ومخطىء من يساوى بين معاوية وعلي بن أبي طالب، فلعلي رضي الله عنه مكانة أخرى فى الإسلام، فهو أحد العشرة المبشرين بالجنة وهو باب مدينة العلم كما أطلق عليه النبى،
وهو وزوج فاطمة أم أبيها وأم الأئمة وقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم أيضا.
"الحق مع علىّ أينما دار"
فلا مجال للمقارنة بينمها، أنا أفضل ألا نبغض معاوية ولكن يجب أن نحترمه لإنجازاته الكثيرة.
خلاصة القول أن معاوية ملك قوى خلف إرثا من المكاسب والإنجازات وكذلك الجدل.