25 مارس 2025
القاهرة مدينة لها روح خاصة، تمتلئ شوارعها وأزقتها بالأضرحة والمقامات التي تحكي قصص الأولياء والصالحين. ومن الظواهر التي تميز القاهرة القديمة أن الكثير من هذه الأضرحة تتواجد عند أبواب المدينة وأسوارها، وكأنها تحرس المداخل والمخارج مثلما تحميها الأبواب الحجرية. هذا المشهد لم يكن مجرد صدفة، بل له أبعاد تاريخية وروحية ارتبطت بالحياة الدينية والشعبية في المدينة عبر العصور.
عندما أسس جوهر الصقلي القاهرة كانت مدينة محاطة بأسوار منيعة لحمايتها من الغزوات، ومع توسعها وتجددها على مر السنين أعاد القائد بدر الجمالي بناء الأسوار والأبواب لتصبح أكثر قوة ومتانة. من هنا جاءت الأسماء الشهيرة لباب الفتوح وباب النصر وباب زويلة وغيرها، والتي أصبحت معالم بارزة في المدينة. ومع مرور الوقت، بدأت هذه الأبواب تحتضن أضرحة الأولياء الذين رآهم الناس بمثابة حراس روحيين للقاهرة، كما كانت الأبواب حراسًا ماديين لها.
كان الناس يؤمنون أن الأولياء الصالحين يحفظون المدينة من الأذى، وأن وجود مقام لهم عند الأبواب يضفي عليها نوعًا من الحماية الإلهية، مثلما تحمي الجدران الحصينة المدينة من الأعداء. ومع انتشار التصوف في العصور الفاطمية والمملوكية، ازداد تعلق الناس بالأضرحة وزيارتها طلبًا للبركة والحماية. وبما أن أبواب القاهرة كانت أماكن تجمع التجار والمسافرين، فقد كان من الطبيعي أن تصبح هذه الأضرحة محطات للزائرين، حيث يتبركون بها ويتوقفون للدعاء قبل دخولهم أو خروجهم من المدينة.
عند باب الفتوح يوجد ضريح سيدي الذوق الذي اشتهر بزهده وورعه، وأصبح قبره مزارًا لأهل المنطقة. أما باب النصر، فقد احتضن ضريح سيدي أبو الخير الكليباتي، أحد كبار الصوفية الذين عاشوا في القرن الخامس الهجري، وكان يُنظر إليه باعتباره أحد حراس المدينة الروحانيين. بالقرب من باب زويلة يقع مقام سيدي السايح الذي كان من كبار الأولياء في العصر المملوكي، وكان يُعتقد أن له كرامات جعلت الناس يتقربون منه طلبًا للبركة. ومن الأضرحة الأخرى التي ارتبطت بالأسوار مقام الإمام الليث بن سعد، وهو فقيه ومحدث شهير دُفن بالقرب من باب القرافة، حيث أصبح قبره مكانًا للتبرك والزيارة.
لم تكن هذه الأضرحة مجرد أماكن للدفن، بل تحولت إلى نقاط تواصل اجتماعي وروحاني، حيث يجتمع الناس لإقامة حلقات الذكر أو طلب الدعاء أو حتى لحل المشكلات التي تؤرقهم. ومع الزمن، أصبحت هذه المقامات جزءًا لا يتجزأ من نسيج القاهرة القديمة، حيث اختلطت الأسوار الحجرية بالحضور الروحي للأولياء الذين دُفنوا بجوارها.
رغم تغير الأزمنة، فإن هذه الأضرحة ما زالت تحتفظ بمكانتها، وما زالت الأبواب تقف شاهدة على تاريخ المدينة، تحفظ حكاياتها بين جدرانها، وتروي قصة العلاقة العميقة التي جمعت بين القاهرة وأوليائها الذين صاروا رمزًا للحماية والبركة في قلوب أهلها.