23 مارس 2025
في قلب مدينة الأقصر، حيث يتعانق التاريخ مع الروحانيات، يقع ضريح الشيخ موسى أبو علي، أحد أشهر الأولياء الذين تركوا بصمة واضحة في حياة أهل الكرنك والمناطق المجاورة. اسمه ارتبط بالزهد والورع والتقوى، حتى صار مزارًا يقصده المريدون والمحِبون طلبًا للبركة والتقرب إلى الله.
وُلد الشيخ موسى أبو علي في قرية الزينية بحري التابعة لمركز الأقصر، في أسرة بسيطة امتهنت الفلاحة. نشأ محبًا للعلم والدين، وكان منذ صغره يميل إلى العزلة والتأمل. منذ نعومة أظافره كان يذهب إلى الحقول ويجلس لساعات طويلة في ذكر الله بعيدًا عن صخب الحياة اليومية. هذه العادة ظلت ملازمة له حتى كبر، فأصبح معروفًا بين أهل قريته بحبه للخلوة والعبادة.
في منتصف القرن العشرين، انتقل إلى منطقة الكرنك واستقر بها حتى وفاته. هناك، ازداد تعلقه بالعبادة والزهد، فكان يقضي أيامه في الصلاة والتسبيح، منصرفًا عن ملذات الدنيا. مع مرور الوقت، ذاع صيته بين الناس، وأصبح ملاذًا لكل من يبحث عن الطمأنينة أو يطلب نصيحة روحية.
أهل الأقصر أحبوا الشيخ موسى حبًا عظيمًا، فقد كان قريبًا من الجميع، يستمع إلى مشاكلهم بحنان ويعين المحتاجين قدر استطاعته. لم يكن يجلس في بيته منتظرًا أن يأتيه الناس، بل كان يسير بينهم، يزور المرضى، يشد من أزر الضعفاء، ويبث الأمل في قلوب المهمومين. كان يرى أن الدنيا فانية، وأن العطاء هو السبيل إلى القرب من الله.
بعد وفاته، أصبح ضريحه مزارًا يتوافد إليه المحبون من كل مكان. تقام الاحتفالات بذكرى مولده كل عام في أجواء روحانية مميزة، حيث يجتمع الناس على الذكر والإنشاد، وتتزين الشوارع بالأضواء والرايات. خلال الاحتفال، تقام حلقات الذكر والتواشيح الدينية، وتُجرى مسابقات التحطيب التي تعكس التراث الصعيدي العريق. في الليلة الختامية، تخرج دورة المولد التي تجوب شوارع الكرنك في موكب مهيب يشارك فيه الأهالي بالخيول والجمال وعربات الحنطور، في مشهد يجسد ارتباط الناس بهذا الرجل الصالح.
الكرنك، رغم ما يحمله من آثار فرعونية عظيمة، يظل شاهدًا على أن الروحانيات لها مكانة كبيرة في قلوب أهلها. ضريح الشيخ موسى أبو علي هو أحد المعالم التي تؤكد أن التاريخ لا يُكتب فقط بالأحجار، بل أيضًا بحكايات الرجال الذين عاشوا بالحب والإخلاص ونقشوا أسماءهم في وجدان الناس.
محبة الناس للشيخ موسى لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة حياة مليئة بالبذل والعطاء. لم يكن شيخًا يعتزل الناس في صومعته، بل كان واحدًا منهم، يعيش بينهم، يشعر بآلامهم ويفرح بأفراحهم. هذه البساطة والتواضع هما ما جعلاه خالدًا في ذاكرتهم، وما جعل قبره مقصدًا للمحبين الذين يأتون ليجدوا عنده السكينة والطمأنينة.
اليوم، لا يزال صدى ذكراه يتردد في مجالس الذكر، ولا تزال سيرته تُحكى للأجيال الجديدة، ليبقى نموذجًا للورع والتقوى، وعلامة مضيئة في تاريخ التصوف بالأقصر.