18 مارس 2025
في مثل هذا اليوم، رحل عن دنيانا الجسد، لكن الصوت بقي، والذكرى تأبى أن تنطفئ. غاب الشيخ أحمد التوني، سلطان المداحين، الذي أضاء القلوب بمواجيده، وسكب في الأرواح نفحات من المحبة والوجد والعشق الإلهي. لم يكن مجرد منشد، بل كان حالًا خاصًا، كان رجلًا كلما صدح بصوته، أيقظ في السامعين معاني العشق والصفاء.
في حلقات الذكر والمجالس العامرة بروح المحبة، كان حضوره نورًا. جلس متربعًا على عرش المديح، لا ينافسه أحد، ولا يملّ المستمع من تكرار سماعه. كان يغني وكأنه يخاطب السماء، وكانت كلماته تصعد إليها محملة بالشوق.
لم يكن الشيخ أحمد التوني من أولئك الذين يكتفون بالأداء، بل كان عالِمًا بأسرار الكلمة، يفهمها قبل أن ينطق بها، ويتذوقها قبل أن يلقيها على الأسماع. كان من مدرسة العشق الصوفي، تلك المدرسة التي لا تعترف بالقواعد الجامدة، بل تنطلق من القلب إلى القلب بلا وسيط.
حينما تسمع صوته، تشعر وكأنك أمام حالة لا تتكرر. لم يكن يردد المدائح كغيره، بل كان يسكب فيها روحه، فيُشعرك أن الكلمات ليست مجرد ألفاظ، بل حياة تُبثّ في الأجواء. كأن صوته امتداد لروحانية الزمن القديم، يحمل معها أسرار الأولياء وأحوال العارفين.
اليوم، وإن كان قد غاب جسده، إلا أن ذكراه لا تفارق السامعين، وصوته لا يزال حيًا في قلوب المحبين. لا نرثيه، لأن أمثاله لا يُرثَون، بل يُحتفى بهم، ويُعاد الاستماع إليهم، ويظل ذكرهم حيًا لا يزول.
لقد رحل أحمد التوني، لكن صوته لا يزال يُطرب القلوب، ويعيد إليها وهج الشوق، ويبعث فيها روح المحبة والصفاء. إنه سلطان المداحين الذي لن يغيب.