12 مارس 2025
يُعتبر الأكراد مكونًا أساسيًا من مكونات الشعب السوري، حيث يُقدَّر عددهم بحوالي 15% من إجمالي السكان، أي ما يقارب ثلاثة ملايين نسمة. يتركز الوجود الكردي في سوريا بشكل رئيسي في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية من البلاد، خاصة في محافظة الحسكة، حيث يشكلون نسبة كبيرة من سكان مدن مثل القامشلي والمالكية. كما يتمركز الأكراد في منطقة عين العرب (كوباني) في محافظة حلب، والتي تُعد مدينة ذات غالبية كردية، إضافة إلى منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي الغربي، فضلًا عن تجمعات كبيرة في مدينتي حلب ودمشق.
معاناة الأكراد عبر العقود
عانى الأكراد طوال العقود الماضية من اضطهاد وتهميش وحرمان من الحقوق المدنية، حيث جُرِّد آلاف الأكراد من الجنسية السورية بموجب إحصاء عام 1962 الذي أجراه النظام الحاكم آنذاك. هذا التهميش استمر لعقود، حيث حُرم الأكراد من الاعتراف بهويتهم القومية ومن حقوقهم الثقافية والسياسية.
الدور الكردي في الثورة السورية
شارك العديد من الأكراد في الاحتجاجات التي اندلعت ضد نظام بشار الأسد عام 2011، خاصة في المناطق ذات الغالبية الكردية مثل القامشلي وعفرين وكوباني. وبعد انسحاب قوات النظام من معظم المناطق السورية عام 2012، استغل حزب الاتحاد الديمقراطي – الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني – الفرصة لفرض سيطرته على المناطق ذات الأغلبية الكردية، مما أدى إلى تصاعد التوتر بينه وبين فصائل المعارضة السورية المسلحة،حيث رفض الحزب الانضمام إلى الجيش السوري الحر.
وفي عام 2015، تشكَّلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهو تحالف عسكري تقوده وحدات كردية ويحظى بدعم الولايات المتحدة، ما زاد من تعقيد المشهد العسكري والسياسي في سوريا .
العلاقات الكردية - التركية والتدخلات العسكرية
تُعد العلاقة بين الأكراد، لا سيما حزب العمال الكردستاني، وتركيا متوترة للغاية، حيث تصنف أنقرة الحزب منظمة إرهابية بسبب نزاعه المسلح معها منذ الثمانينيات. ومنذ اندلاع الثورة السورية، أبدت تركيا قلقها من صعود الأكراد سياسيًا وعسكريًا، خشية أن يؤدي ذلك إلى إقامة كيان كردي مستقل على حدودها .
نتيجة لذلك، نفذت تركيا عدة عمليات عسكرية في شمال سوريا استهدفت القوات الكردية، من بينها :
عملية درع الفرات (2016): استهدفت تنظيم داعش ومنعت الأكراد من ربط مناطق سيطرتهم .
عملية غصن الزيتون (2018): سيطرت تركيا خلالها على عفرين بعد طرد وحدات حماية
الشعب الكردية .
عملية نبع السلام (2019): استهدفت القوات التركية وحلفاؤها من المعارضة السورية المدعومة من أنقرة مواقع الأكراد في رأس العين وتل أبيض .
تركيا تعتبر الدعم الأمريكي للأكراد تهديدًا لأمنها القومي، مما أدى إلى توترات بين أنقرة وواشنطن بشأن السياسة في سوريا .
الاتفاق التاريخي بعد سقوط الأسد
بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، سادت حالة من الترقب حول طبيعة العلاقة بين الإدارة السورية الجديدة والأكراد، خصوصًا قوات سوريا الديمقراطية (قسد). ورغم توقعات بحدوث صدام مسلح أو إعلان الأكراد الانفصال عن الدولة السورية، جاء الاتفاق الذي تم توقيعه في 10 مارس 2025 بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي ليُحدث تحولًا مهمًا في مسار الأزمة السورية .
ملامح الاتفاق
تمثل الاتفاق نقطة تحول كبرى نحو استقرار سوريا وبناء دولة موحدة، حيث نص على :
دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية .
وقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد .
ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة السياسية .
عودة جميع اللاجئين إلى مناطقهم وحمايتهم .
دعم الدولة السورية في مكافحة فلول النظام السابق وكافة التهديدات الأمنية .
رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية وتعزيز الوحدة الوطنية .
ضمان حقوق المجتمع الكردي في المواطنة والمساواة ضمن الدولة السورية .
تحديات المستقبل
رغم أهمية هذا الاتفاق في تعزيز الوحدة الوطنية وإعادة بناء سوريا على أسس من العدالة والمساواة، لا تزال الإدارة السورية الجديدة تواجه تحديات كبيرة، سواء على المستوى الداخلي في إعادة بناء مؤسسات الدولة، أو على المستوى الإقليمي في التعامل مع المخاوف التركية بشأن الملف الكردي. كما أن استمرار التهديدات الأمنية من الجماعات المتطرفة والتدخلات الخارجية يجعل مسار الاستقرار في سوريا معقدًا ويتطلب توافقًا سياسيًا واسعًا.
يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح سوريا الجديدة في تجاوز خلافات الماضي وبناء مستقبل مشترك لكافة مكوناتها، أم أن الصراعات الإقليمية ستُعيد إنتاج أزمات جديدة؟ الأيام القادمة وحدها ستكشف عن الإجابة .